ابن قيم الجوزية
103
الروح
الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ « 1 » ما أنتم بإنس ولا جان ، ثم خرج الوصيف فأومى إلينا أن أدخلوا ، فدخلنا فإذا هو قد قبض . ( وقال ) فضالة بن ديار : حضرت محمد بن واسع « 2 » وقد سجى « 3 » للموت ، فجعل يقول : مرحبا بملائكة ربي ولا حول ولا قوة إلا باللّه ، وشممت رائحة طيب لم أشم قط أطيب منها ، ثم شخص ببصره ، فمات . والآثار في ذلك أكثر من أن تحصر . وأبلغ وأكفى من ذلك كله قول اللّه عز وجل : فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ . وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ . وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ « 4 » أي أقرب إليه بملائكتنا ورسلنا ولكنكم لا ترون ، فهذا أول الأمر وهو غير مرئي لنا ولا مشاهد وهو في هذه الدار . ثم يمد الملك يده إلى الروح فيقبضها ويخاطبها ، والحاضرون لا يرونه ولا يسمعونه ، ثم تخرج فيخرج لها نور مثل شعاع الشمس ، ورائحة أطيب من رائحة المسك ، والحاضرون لا يرون ذلك ولا يشمونه . ثم تصعد بين سماطين من الملائكة والحاضرون لا يرونهم . ثم تأتي الروح فتشاهد غسل البدن وتكفينه وحمله وتقول : قدموني قدموني ، أو إلى أين تذهبون بي ، ولا يسمع الناس ذلك ، فإذا وضع في لحده وسوي عليه التراب لم يحجب التراب الملائكة عن الوصول إليه ، بل لو نقر له حجر فأودع فيه وختم عليه بالرصاص لم يمنع وصول الملائكة إليه ، فإن هذه الأجسام الكثيفة لا تمنع خرق الأرواح لها ، بل الجن لا يمنعها ذلك ، بل قد جعل اللّه سبحانه الحجارة والتراب للملائكة بمنزلة الهواء للطير ، واتساع القبر وانفساحه للروح بالذات والبدن تبعا ، فيكون البدن في لحد أضيق من ذراع ، وقد فسح له مد بصره تبعا لروحه ، وأما عصرة القبر حتى تختلف بعض أجزاء الموتى فلا يرده حس ولا عقل ولا فطرة ، ولو قدر أن أحدا نبش عن ميت
--> ( 1 ) سورة القصص ، الآية 83 . ( 2 ) هو محمد بن واسع الأزدي عابد البصرة ، أخذ عن أنس ومطرف بن الشخير وطائفة ، وهو مقل ، روى خمسة عشر حديثا ومناقبه مشهورة ، توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة . ( 3 ) أي غطي بثوب أو نحوه . ( 4 ) سورة الواقعة من الآية رقم 83 - 85 .